السفنز ورحلة الوصول !


الصدمة !

تلك اللحظة عندما تتمشى في ازقة احدى الشوارع الأوروبية مع احدى أبناء تلك المدينة يحدثك عن تاريخهم وانجازاتهم ثم يعرج على مطبخهم وأكلهم الشعبي فيبدأ بالتكلم بشغف عن احدى أهم وجباتهم المحلية يصفها طعما ولون ولا يقف بل يزيد بذكر الوصفة ويأخذك من يدك ليوريك إحداها فيتوقف القلب عن النبض ، الجسد عن الحركة ويتجمد العالم من حواليك من وهل الصدمة ، إنه السفنز !

في لحظة مر شريط حياتي بأكمله أمامي ، كل ذكرياتي مع السفنز ! في صباح الشتاء على مائدة الإفطار برمضان تلك البيضة الرائبة ومحاولة لملمت العسل من أطراف السفنزة خوفا منه ومن التوبيخ ! ياه إنه السفنز يا ويحهم قد كذبوا علينا السفنز ليس حصرا علينا ، السفنز لم يكن سفنزنا هنا بل كغيره مما أتينا به من هناك من ملبس ومأكل ياه سنان باشا ماذا كان سيفعل الليبيون من غيرنا !

السفنز !

السفنز هو الاسم الليبي للأكلة المتكونة من خليط من الدقيق والخميرة، الماء والزيت، السكر والملح حتى تصبح عجينة طرية تقلى في زيت حار وتقدم طازجة مالحة أو حلوة بالبيض الرائب أم السكر أو العسل ، يسمى لانقوش بالمجر وشفنج بالمغرب ولالانقا بتركيا ، أحبه الجميع حيثما كان أكلوه حلوا بالمربى والعسل ومالحا بالبيض، الجبن واللحم ليكون جزءا لا يتجزء من وجبات الإفطار بالشتاء ومائدة الإفطار برمضان وعيد الفطر عند المسلمين وعيد الحانوكاه عند اليهود فمن أين جاء السفنز وكيف انتشر ؟

السفنز
صورة من اللإنترنت

الغجر !

يذكر احدى المصادر التاريخية المجرية تعود للقرن الخامس عشر ميلادي أن لللانقوش أصول رومانية من حيث التسمية وتعني الخبز مسطح الذي يطهى على الرماد في روما القديمة، حتى تطور مع عبر التاريخ ليطها بالشكل الذي هو عليه اليوم قليا بالزيت الحار بعيدا عن أصل تسميته ليصبح جزءا من المطبخ المجري وتشتهر به بالمنطقة وانتشر منها إلى صربيا تحت اسم لانقلوز وميكاتسا ببلغاريا وعاد به الغجر إلى أسيا الوسطى وسمي شليبك، كما كان متواجد بقوة بالمطبخ البيزنطي من قبل ومنه إلى العثماني حيث كان في البداية يؤكل حلوا مع العسل ثم مالحا مع الجبن ويعرف باسم لالانجا بتركيا اليوم لالاجيا باليونان!

الأندلس !

يتناقل البعض قولا لشاعر أندلسي قبل سقوط الأندلس قائلا: وسفازجين تحسبهم ملوكا صعدوا منابرهم جلوسا وصفا به بائع السفنز ومكانته لدى زبائنه فاتحا بابا جديدا للإجابة عن سؤال من أين أتى السفنز ؟ فإذ كان كما يحب البعض أن يروج بأنه أصل من المطبخ الأندلسي جاء به النازحون أواخر القرن الخامس عشر إلى شمال أفريقيا فأين هو اليوم من المطبخ الأندلسي التقليدي والإسباني بالعموم ؟ أم أنه انتقل بالعكس عبر الهجرات سكان شمال أفريقيا بعد سيطرة المسلمين عليها قبلها بقرون ؟

شمال أفريقية !

يلقى السفنز انتشارا كبيرا في دول شمال أفريقية ذات البعد الأمازيغي بنوعيه الحلو والمالح وأشكاله المتعددة المسطحة والحلقية والتي يتفنن سكان تونس بصنعها بشكل خاص ويسمونها بابليوني ولاشتهارهم بها يطلق على صانع السفنز بالجزائر اسم “التونسي” كونه جل صناع السفنز لوقت ليس ببعيد كانوا من التوانسة كما هو الحال في جل مناطق ليبيا اليوم حيث ذكر في كتاب اليوميات الليبية لحسن الفقيه حسن أواخر القرن التاسع عشر إلا أنه من المرجح أن السفنز قد أسكت جوع الليبيين وسكان شمال أفريقية في وقت أبكر من ذلك ، حيث يرجح أن العثمانيون من قام بجلبه إليها كما جلبوا غيره من الأكلات والعادات عند مد سيطرتهم على شمال أفريقية الذي تزامن بنزوح  مسلمي الأندلس إليها وقد يكون أمره أقدم من ذلك لاستعماله من قبل اليهود قديما وحتى بعد تهجيرهم من ليبيا بشكل كبير خاصة عند الاحتفال بعيد الحانوكا !

سفنز حلقي
صورة من الإنترنت

من أين ؟

في بادء عملية البحث عن أصل السفنز جزمت أنه مجري انتشر منها إلى شرق أوروبا ووسط أسيا ومنشره بعد ذلك العثمانيون في شمال أفريقية وأماكن نفوذهم المختلفة خاصة بعد أن مشاركة البعض لي بصور لأكلة مشابه بكل من العراق واليمن ، لكن بعد عدت عمليات بحث قمت بها وجدت أنه السفنز متواجد أيضا بكل من الهند تحت اسم بهاتورا كما شابه خبزا مقليا يصنعه سكان أمريكا الأصليين وآخر عند الكنديين فتسائلت هل نقله معهم الليبيون القدماء عند ترحالهم لاكتشاف العالم الجديد سنين بعيدة مضت خاصه أن الزيت كان له ظهورا مبكر في حياة الإنسان فلا استغرب استعمالهم له للقلي في عصر أبكر من عصرنا هذا .

كل النتائج التي وجدتها لم تفذني في إيجاد اجابة قطعية للسؤال المطروح مسبقا – من أي أتى السفنز – إلا أن الإجابة الوحدية التي قد تكون أكثر واقعية ومنطقية هنا أن السفنز لم يأتي من أي مكان بل هو نتاج تطور أهل تلك الأماكن المذكورة كغيره من الأطعمة فبعدما طحن الإنسان القمح وزاده ماءا وصنع العصيدة في عصور خلت زاد المطحون وصنع خبزا على الرماد ثم خبزا في فرن ومنها اكتشف صدفة السفنز بعد سقوط عجين الخبز سهوا في قدر زيت حار فبقيت سفنزا بالمناطق المذكوره أعلاه وتطورت إلى دونتس وغيرها من الأكل الحلو والحار بالمناطق الأكثر تطورا تلك التي كانت تأكل مطهي الدقيقة مع الماء واليوم تبدع في الباستا والبيتزا !

Advertisements

الكاتب: Amjad Badr

Libyan Blogger, Scout Leader and Social Entrepreneur, interests in Climate Change and I.C.T and specialized in Computer Engineering, CEO & Co-founder of Hexa Connection and Founder & GM of Jawhar Co..

One thought on “السفنز ورحلة الوصول !”

  1. السلام عليكم
    شكرًا لك على هذه التدوينة، وأعتقد أن السفنز دخل إلى الليبيين كالكثير من العادات مع الغزو العثماني، فالليبيون بطبيعتهم أميل للتقليد من الإبتكار والتجديد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s