أوكندا – الأمل الأفريقي #5


انتهى المؤتمر، ولكن الرحلة لم تنتهي، كيغالي وما أدراكم ما كيغالي، انطلاقا من وسط المدينة اتجهت للنصب التذكاري للإبادة العرقية التي جرت في تسعينات القرن الماضي، إبادة بمعنى الكلمة لا مكان للحديث عنها هنا، إبادة يستغرب عقلي البسيط كيف تعيش روندا اليوم بسلام وأمان متناسين آلام الماضي متسامحين مبتسمين متنازلين عن أحقادهم من أجل عيش يوم وغد أفضل؛ زيارة النصب التذكاري والمتحف المخصص للإبادة العرقية تلك أمر لا يمكن نسيانه أبدا، خاصة عند زيارة الشق المخصص للضحايا الأطفال ومشاهدة كم البشاعة التي قرر بها إنسان إنهاء حياة إنسان فقط كونهم ليسا من نفس القبيلة! اللعنة!

مستخدما بطبيعة الحال خدمة الدراجات النارية تلك، استمرت رحلتي، لأجد نفسي زائرا لفاب لاب كيغالي وأشاركهم احدى برامجهم التي كانت عباره عن هاكثون لايجاد حلول لمشاكل المجاعة بالقارة وانطلق من هناك إلى زيارة أرجاء المدينة المختلفة، مارا بطبيعة الحال على شارع القذافي الفاره ومتعلقات الحكومة الليبية هناك وجمعية الدعوة الإسلامية، لأترجل حينها مستفقدا حال المجمع التابع لجمعية الدعوة الإسلامية، المدرسة ومسجدها ومعاملها، لأجد معلميها يعانون ما يعانيه معلمونا من تأخر معاشاتهم لما يزيد عن أشهر ليعلل مدراءهم أن كل ذلك بسبب ثوار 17 فبراير هم السبب، ونحن ننتظر مثلكم معاشاتنا!

مسجد جمعية الدعوة الإسلامية كيغالي

يلا! بعيدا عن الأصول الليبية الضائعه في أفريقيا والمستباحة من أعراب الجزيرة، انطلقت في اليوم الذي يليها إلى بحيرة كيفو غربي البلاد على حدودها من كونقو الديمقراطية، البحيرة المطلة على الجبال البركانية المليئة بالأسماك الشهية، تعكس معنى آخر من الإنفصال، فساحلها الرواندي هادئ ولطيف مليء بالسياح في حين ساحلها التابع للكونقو الديمقراطية العكس تماما ويظهر ذلك جليا حتى في نقطة العبور بين البلدين، كيفو البحرية والطريق إليها قصة مليئة بالجمال بجمال شعب روندا تنضب الكلمات لوصفهم ووصفها.

بحيرة كيفو - رواندا
بحيرة كيفو – رواندا

نعم نعم، قد أسهبت في التدوين أليس كذلك؟ خمس تدوينات للحديث عن رحلة لم تدوم سوى ست ليال! هووو كم أنا مسرف، وحفاظا على مخزوني من الكلم، قررت أن تكون هذه التدوينة الأخيرة عن رحلتي لرواندا العظيمة، لأنهيها بكم ملاحظة شاركني إياها شعبها حينها ومواقف طريقة عشتها.

في رواندا مثلا الشعب لا يعتمد كثيرا عن الكاش، فلكل منهم حساب مصرفي يمكنه الولوج إليه عبر هاتفه البسيط، فيعيد تعبئة بطاقة الباص وغيرها من المنافع من دفع واستلام وارسال أموال، الأمر الذي جعلني أفكر مائة مره في واقعنا الليبي، عندما ركبت الباص وبدأت في انتظار باقي القيمة التذكرة التي سددتها نقدا، معتقدا أن السائق بيدير الحولة ويضحك عليا كوني موزنغو، وعند استفساري أجابني أحد الركاب: نحن لا نستخدم الكاش هنا! فما عنداش فكره بيش يرجعلك :\

آلة شراء التذاكر الإلكترونية في الباص
آلة شراء التذاكر الإلكترونية في الباص

بعيدا عن الكاش ولا الكاش، استغربت في مسيري من وجود زر أحمر في بعض الأعمدة بالطرق التي تعتليها كميرات بعيدا عن اشارات المرور، ليجيبني أحدهم أن هذا الزر مرتبط مباشرة بغرفة التحكم المركزية التابعة لجهاز الشرطة، مخصص للتائهين، المشردين وغيرهم مما يحتاج المساعدة وإن كان ثملا لا يستطيع العودة لبيته، ليضغطه وتجيبه الشرطة فورا وتأتي لتقديم الخدمة له مجانا!

زر الانقاذ
زر الانقاذ
كميرا اللإنقاذ
كميرا اللإنقاذ

مع كل ما لرواندا من تقدم إلا أنها تعتبر جمهورية رئاسية دكتاتورية، فالرئيس حاكم مطلق وإن أتى بالانتخابات، إلا أن في نظامها المحلي تنتهج نوعا ما بعضا من الديمقراطية المباشرة لا المركزية، فكل آخر سبت من كل شهر، يجتمع سكان الحي الواحد ليتفقدوا حيهم ويقرروا ما ينقصهم، فإن كان مثلا هناك طريق يحتاج الصيانة، يقوم سكان الحي بجمع التبرعات ثم التوجه للبلدية لاحالة الأمر لهم والتبرعات كذلك لتقوم البلدية باستكمال باقي القيمة في حالة وجود نقص وتكلف الجهات المعنية لاتمام الصيانة، ناهيك عن حملات النظافة الجماعية التي يقوم بها سكان الحي في ذاك السبت، وعن يوم الأحد الذي يمنع فيه سياقة السيارات في الشوارع الرئيسية كنوع من أنواع تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون! وقس على ذلك يسي!

شاطئ بحيرة كيفو
شاطئ بحيرة كيفو

للمتسائلين عن الطعام، فعشاق السفر دائما عشاق لتجربة أشياء جديدة، فالمطبخ الرواندي مثلا هو جزء من المطبخ الأفريقي المشرقي الذي تستحوذ أثيوبيا صدارته، ومع هذا فقد استمتع بوجبات رواندية رائعة في أحواض ورق الموز، وأخرى مليئة بالنكهات والثوابل، ناهيك عن الشاي الأفريقي والسنبوسة القادمة من السلطنة ايبان سيطرتها على الساحل الشرقي للقارة.

المطبخ الرواندي
المطبخ الرواندي
المطبخ الرواندي
المطبخ الرواندي

نعم، رحلة شاقة! ترانزيت يزيد عن العشرين ساعة ذهابا وإيابا، إلا أنها تستاهل، البعض بتساءل لماذا سميت سلسلة التدوينات بأوكاندا المستوحى من فيلم الفهد الأسود الذي حضيت بفرصة مشاهدته في أول أيام عرضه برواندا، والذي يشاركها الكثير، فأوكاندا كانت الحضارة المخفية المتقدمة كما هي رواندا بالنسبة لي، أوكاندا التي عانت الإنشقاقات الداخلية كما رواندا لكنها استطاعت بقوة شعبها وإرادتها أن تتقدم وتنشر الخير بتجربتها في الصلح والعمل.

مسجد!
مسجد!

رواندا تجربة صنعت مني شخصا مختلفا، ينظر للعالم بزوايا مغايرة، فكما كانت رواندا معقل للخراب والدم وهي اليوم تتصدر التراتيب، العالم كله يمكنه النهوض وأن يكون في القمة.

نلتقي.

 

لقراءة التدوينات السابقة من السلسلة: الأولى - الثانية - الثالثة - الرابعة.
Advertisements

الكاتب: Amjad Badr

Human Being from Africa, passionate about ICT4D, Blogger, Scout Leader, Solo Traveler and involved in several social projects.

One thought on “أوكندا – الأمل الأفريقي #5”

  1. تجربة انسانية ومميزة جدا ومن خلال تدويناتك كأني عشتها، بصراحة حسدتك عليها وعقبال رحلات اخرى يا أمجد 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.