لماذا علينا أن ننفصل؟


مع مرور ذكرى التعديلات الدستورية التي قام بها ملك المملكة الليبية الراحل ستينات القرن الماضي المتزمان مع استمرار العدوان الذي يقوده ابناء برقة على طرابلس، ارتأيت أن أرصف بعضا من الكلمات محاولا الإجابة عن مستهجني فكرة الانفصال واستقلال بعض من دولة ليبيا الحالية، الفكرة التي خصصت لها تدوينة سابقة تجدونها من هنا.

لماذا علينا أن ننفصل؟

لفترة طويلة كنت دائم التساؤل لماذا تفرض الحكومة الاتحادية الألمانية على مواطنيها دراسة وتمعن تاريخ الأمة الألمانية، بحقبتي النازية ومابعد الحرب العالمية الثانية، عن فرض زيارة جدار برلين، ونشر أجزاء منه بعموم الجمهورية، جدار سقط منذ ما يزيد عن ثلاثين عام ومحرقة وهزيمة تقاربان الثمانين سنة، ليس كنوع من جلد الذات المفرط كما كنت أعتقد، بل للحافظ على هذه الوقائع في أجيال الأمة الألمانية، لتكون دائمة التواجد في عقول أبناءها فهم واعين بتبعياتها عليهم وعلى مصير أمتهم، لهذا يستمر شعبها الحفاظ على الاتحاد والسلام واحياء ذكراهما بشكل دائم.

السياسة ذاتها يطبقها الطفل عند نموه واسكتشافه ما حوله، فالنار ليست خطره إلا عندما يتأكد من ذلك بنفسه، ليحتفظ بتلك اللحظة التي حرق بها أصبعه بذاكرته إلى الأبد، ليستحضرها كلما كان على مقربة من هذه النار، فإذ نسى هذه التجربة أو تناساها أو أنسيها، لن تكون العاقبة محمودة، فهو لن يصدق نصائح الآخرين بأن هذه النيران قد تؤديه!

الأمر لا يختلف كثيرا في هذه الرقعة الجغرافية، فلسبب ما – لست في باب نقاشه الآن – شاءت الأقدار أن ترسم حدود هذه الدولة اليوم على تركت المستعمرة الإيطالية بجنوب المتوسط، متخدة ذات الاسم الاستعماري اسما لها، لتتحد قبائل تلك الأقاليم الثلاث تحت راية واحدة، محاولين لم شتاتهم وبناء دولتهم الشاسعة الوليدة، أسباب قد يرميها البعض بقلة العدد السكاني وآخرين بقلة الموارد، وبكثير من التنازلات كانت المحصلة أن هذه الجغرافية لبد لها أن تتحد لتنهض، فكانت المملكة المتحدة بزعامة ملكها إدريس الأول.

لأسباب أخرى رأى حكام المملكة حينها الغاء النظام الاتحادي، ليعلن إدريس الأول ذلك في إبريل منذ سبعة وخمسين سنة، أدريسا الأول الملك الذي رحل مع ملكة من ذاكرة الأمة الليبية مباشرة بعد اعلان الجمهورية العربية الليبية وما تلاها من أربعين سنة مارس بها مجلس قيادة الثورة ومن تلاه كافة الألاعيب لمسح تاريخ نشأت دولة ليبيا الحديث، تلك التي ولدت باعلان قيام المملكة، إزالة كاملة من الذاكرة الجمعية الليبية لينصدم العديد بوجود مملكة وملك وراية أخرى لليبيا قبل القذافي، فالتاريخ بدأ عند ليلة الفاتح التي جبت ما قبها وحرمت ذكره!

اليوم وبعد هذه السنين من اعلان توحيد هذا الكيان وولادته واتحاده، لا يعني أبناء هذه الأمة الأسباب الحقيقية لكل هذا التحولات في تاريخ هذه الدولة، لا يعون معنى التضحيات تلك وما كانت لتكون ليبيا اليوم من دونها، فهمها حاول البعض تذكيرهم إياها لن يستوعبوا بعد كل هذا الهجران والانقطاع، فلا قيمة لوحدة دون معرفة أسبابها والإيمان بها، لهذا لا حل واقعي إلا إعادة التاريخ وهذه الدروس، لتنفصل أرجاء هذه الدولة وتستقل، لتعاني ما عانت حينها ويعيد التاريخ نفسه، على أمل أن لا ننسى التجربة مرة أخرى!

 

 

الكاتب: Amjad Badr

Social Innovation & ICT4D Specialist, Scout Leader who blogs and loves travelling. ∉ For faster communication a.shwehdy@jeem.ly

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.